أحمد بن محمد ابن عربشاه
154
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
وهذه قضية تحتاج إلى إعمال الروية وإمعان النظر وتدقيق الفكر ، وعندي الرأي السعيد السديد والفكر الحميد المجيد إن التعرض إلى هذا الرجل الدين الداعي إلى طريق الحق البين ليس بمحمود ولا طالع قاصده بمسعود فإنه على الحق متشبث بأذيال الصدق ، ومن قصد مصادمة الحق اصطدم وفي مهاوى الهلاك ارتدم . [ 23 ] [ عابد بني إسرائيل : ] وقد كان في بني إسرائيل رجل من أهل التبجيل ، عاملا بالتوراة والإنجيل ، مشغولا بالعبادة ، باذلا في إقامة الحق اجتهاده ؛ فتعرض له جماعة من أهل الفسق والخلاعة فتعاطوا إهلاكه ، وفجعوا به نساكه ، فقتلوه بغير حق فغار له الدين ورق . فأخبرني من لا يتهم بكذبه أنه قتل سبعمائة ألف نفس بسببه ؛ فذهب بسبب ذلك الصالح من بني إسرائيل الصالح بالطالح ، ومن كان مع الحق هاديا إلى الصدق ، فإن الله تعالى معه ومن كان الله معه منعه وحرسه وما ضيعه ، ومن تصدى لضياع ما حفظ الله ، وعزم على ابتذال من أعزه مولاه وكلاه ؛ فقد قصد خراب عمره وعمارته وباع رأس مال تجارته وربحه بخسارته ، وجنى بيده على نفسه وحفر بيد تدبيره مهواة رمسه « 1 » . واسمع يا نعم العون ما جرى لمؤمن آل فرعون ؛ حيث كان على السداد داعيا إلى سبيل الرشاد وقصدا هلاكه أهل الفساد فقال وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ [ غافر : 44 ] . فغلبوا هنالك وانكسروا ووقاه اللّه سيئات ما مكروا وأيضا لو قتلنا هذا الرجل وكان على أيدينا له حمام « 2 » الأجل ؛ فلا شك أنه يقوم مقامه من يلم عظامه ، ويزم زمامه ويحيى بعده أيامه فيقيم شعاره ويكتب ما قدم وآثاره ،
--> ( 1 ) قبره . ( 2 ) قضاء .